Peter Forsskal: Thoughts on Civil Liberty
 
The Text
 
  << Back
 
   
 
© Dr. Hamdan Dammag
Vice President of Yemen Center for Studies and Research (YCSR) Chief Editor of Ghaiman Magazine
 
د. همدان زيد مطيع دماج
   
 
   
 
 

تقديم


تعود جذور هذه الطبعة من الكتاب إلى مؤتمر "حرية المعلومات: نحو حكومة منفتحة في الديمقراطيات الجديدة"، الذي عُقد في بودابست في الفترة 5 - 7 مايو 1992.
وقد نُظم المؤتمر خلال فترة تمرير القانون المجري لحماية البيانات ذات الاهتمام العام والحصول عليها، الذي قدمه الكندي توم رايلي، المُلهم للحركة من أجل حرية المعلومات، والسكرتير التنفيذي للمعهد الدولي لحرية المعلومات .
 ورداً على سؤال حول ما/ من الذي كان حقاً وراء قانون حرية الطباعة السويدي، الصادر عام 1766، الذي أثرته ورقتي المعنونة بـ"البدايات التاريخية للحق في حرية المعلومات في أوروبا"، أرشدني المحامي التشيكي كارل كوديد، الذي كان حينها يعمل في شركة (Energotechnika )، إلى الأفكار التحفيزية لبيتر فورسكال، الواردة في كتابه "أفكار حول الحرية المدنية"، الصادر في نوفمبر 1759 عن دار "لارس سالفيوس" في ستوكهولم.
ومن خلال الرد على رسالة لم أكن أرجو منها الكثير، كنتُ قد أرسلتها إلى المكتبة الملكية في ستوكهولم سعياً للحصول على نسخة من الكتاب، حصلتُ على إجابات زاخرة بالمعلومات من جونيلا يونسون، وكانت حينها رئيسة قسم خدمات المراجع التاريخية. كما حصلت على نسخة من مؤَلف فورسكال، وبطبيعة الحال في نسخته السويدية الأصلية .
من الجلي أنه كان لزاماً عليّ أن أقرأ الكتاب باللغة الإنجليزية؛ لكن يا للدهشة! لم تكن هناك أية ترجمة منشورة للكتاب بالإنجليزية!
تم العمل على النسخة الانجليزية للكتاب أول مرة خلال تسعينيات القرن المنصرم، من قِبَل تيريزا ماكرين لانغفك، وهي من أصول اسكتلندية (غلاسكو) ونرويجية (رولفسوي)، وماريا لندستدت (من لوا بالسويد). كان لجدة ماريا، أغنيس جانسون (من غاميلبو بالسويد)، دور في ترجمة الكتاب وفي تفسير بعض كلمات القرن الثامن عشر .
لم يكن اعتمادهم على نسخة الكتاب المنشورة باللغة السويدية، والتي تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، هو فقط ما جعل من جهودهم تلك محل تقدير عال جداً.
إدراكاً أن الذكرى الـ250 لصدور كتاب فورسكال كانت وشيكة، استطعت أن أقنع مجموعة من الخبراء لمراجعة الترجمة السابقة. كانت المجموعة تتكون من: جونيلا يونسون، توماس فون فايساك، هيلينا يادربلوم وغونار بيرسون. أما ديفيد شاو (من كانتربري) فقد ساعد في تشذيب النص الإنجليزي .
الأهم من ذلك أن الترجمة المعروضة في هذا الكتاب هي كلمات فورسكال الأصلية، التي لم تخضع للرقابة. لقد اعتمدت المجموعة على المخطوطة الأصلية، التي أودعتها جونيلا يونسون في الأرشيف الوطني. كما يقدم الكتاب أيضاً شرحاً كاملاً لأبرز الاختلافات بين النسخة الأصلية، التي لم تخضع للرقابة، والنسخة المطبوعة.
أخيراً، يمكن الآن للعالم غير الناطق بالسويدية فهم الخلفية الفكرية لهدية السويد عام 1766 إلى العالم المعاصر: حرية الحصول على المعلومات وبناء "رأي عام مستنير"، وهو ما يشكل جزءاً من غاية أوسع لدى فورسكال، ألا وهي: تشجيع ازدهار المعارف

وتبادلها

.ديفيد غولدبرغ
فيسبي وناس (السويد)،  يوليو 2009

 

 

عن النص
جونيلا يونسون

تستند الترجمة التالية إلى قراءة جديدة ومتمعنة للمخطوطة الأصلية لبيتر فورسكال بعنوان "أفكار حول الحرية المدنية"، 1759، التي لم يطلها حذف أو تغييرات الرقيب آنذاك أولرايش. لقد اخترنا العمل من المخطوطة الأصلية لأنها ببساطة تحتوي على النص الكامل، وهو أفضل من ذلك الذي تحتويه النسخة التي خضعت للرقابة، المنشورة عام 1759.
في كثير من المواضع التي كان فورسكال يصرح فيها بموقف واضح، كان الرقيب أولرايش يجبره على إدراج كلمات "ربما" أو "على ما أظن"... وهكذا تغيرت عبارات فورسكال الراديكالية المطالبة بحرية الصحافة والطباعة، والتي تتطابق تماماً مع فهمنا لها اليوم، إلى تعبيرات فتحت الباب لاستبقاء نظام الرقابة (أنظر الفقرة 7).
أما الفقرة 8 من المخطوطة الأصلية، التي يطالب فيها فورسكال بحرية الطباعة، ويتطرق فيها للمسائل الدينية، فقد تم حذفها تماماً. كما أن الإشارة في الفقرة 10 إلى التأثيرات المفيدة للحرية الدينية في ولاية بنسلفانيا اختفت أيضاً.
في مخطوطة فورسكال الأصلية، المحفوظة في الأرشيف الوطني في السويد تحت علامة الاستدعاء: Kanslikollegiet, Inkomna skrivelser, Serie EXII:18, universitetsärenden 1706-1785 ، نجد تغييرات الرقيب مكتوبة بخط فورسكال؛ لكن بحبر مختلف عن ذلك الذي استخدمه في كتابة الأصل. كما يبدو أن توقيع ترخيص الرقيب أولرايش في الصفحة الأخيرة قد كُتب بالحبر نفسه، وهو ما يجعلنا نفترض أنهما عملا معاً في تلك التغييرات.
تم نشر نسخة 1759 المطبوعة عدة مرات خلال القرن العشرين. كانت المرة الأولى عام 1970 في طبعة تورستن ستينبي المعنونة "بيتر فورسكال وأفكار حول الحرية المدنية"، ثم عام 1980 وعام 1984، التي ظهرت بهوامش كتبها تيدي برونيوس. كما أنها ظهرت أيضاً مع أجزاء من المخطوطة الأصلية لنسخة ييليني آبلن (ص 2) عام 1991، والطبعة الثانية عام 1995.
ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها عرض النص الأصلي كاملاً، ليس فقط باللغة السويدية؛ ولكن أيضا باللغة الإنجليزية.

   
   
   
 

تعقيب
 توماس فون فايساك

عندما أراد لينيوس أن يسمي نباتاً باسم تلميذه بيتر فورسكال، اختار النبات الإبري القارص المعروف بـ"فورسكاليا تيناسيميا" (Forskålea tenacissima )، موضحاً أن اختياره كان بسبب أن الأنواع التي زرعها في حديقة منزله في أوبسالا نشأت من البذور التي كان فورسكال قد أرسلها له من رحلته العلمية إلى الجزيرة العربية.
لكن كان هناك سبب آخر أيضاً؛ ففي تعليق له، كتب لينيوس أن لمس نبات إبري قارص هو أمر محفوف بالمخاطر مثل الدخول في شجار مع فورسكال، وهو الأمر الذي يدل عليه سلوكه في أوبسالا. كان فورسكال طالباً موهوباً، ذا معرفة واسعة عرف لينيوس كيف يستغلها. لكنه كان ذا شخصية عنيدة، وكان من السهل أن يُستفز. طبائعه هذه هي التي ستحكم عليه بحياة مضطربة.
وإذا ما نظرنا إلى حياته القصيرة (1732–1763) فإننا نجد أن ما أنجزه خلالها كان استثنائياً. كان مُقدراً لفورسكال في البداية أن يصبح رجل دين. وكان والده يوهان فورسكال كاهناً لدى لجنة الكرادلة الفنلندية في ستوكهولم؛ لكنه عاد إلى وطنه: فنلندا، قبل سنوات قليلة من ولادة بيتر.
عاش بيتر طفولته في هلسنكي. وكان له شقيقان: يوناس، ويوهان كريستيان؛ وأخت واحدة تدعى جوانا كاثارينا. كان المنزل يُدار من قبل زوجة أبيهم، فقد توفيت والدة بيتر عندما كان في الثالثة من عمره، ومع هذا فإن كل الدلائل تشير إلى أن طفولته كانت سعيدة.
عندما بلغ العاشرة من العمر، تم تسجيل بيتر فورسكال في جامعة أوبسالا. هذا العمر لم يكن مستغرباً آنذاك؛ إذ إن أكثر من 30٪ من طلاب الجامعة كانوا تحت سن الخامسة عشرة. ومع ذلك، كانت فترة بقائه الأولى في مدينة أوبسالا قصيرة، إلا أنه عاد في ربيع عام 1751 إليها وقد أصبح في الثامنة عشرة.
درس فورسكال اللاهوت؛ لكنه سرعان ما جذبته دائرة المحيطين بـ"لينيوس". كانت دراسته ممولة عبر منحة دراسية تتضمن خمس سنوات في الجامعة، وسنتين لمقعد تعليمي في الخارج.
في ذلك الوقت لم يكن الفصل بين التخصصات المختلفة صارماً كما هو اليوم. واستمر الحال كذلك قرناً آخرَ، حتى بدأ تقسيم مجالات العلم والمعرفة إلى أنواع منفصلة، كلٌّ يتم مراقبته بدقة من قبل ممثليه.
كان الجمع بين اللاهوت وعلم النبات مناسباً لاهتمامات فورسكال؛ إذ كان أحد معلميه، ويدعى أولوف سيلسيس، قد أصبح مشهوراً كمحرر للدراسات على نباتات الكتاب المقدس الهيروبوتانيكية (Hierobotanicon ). عندما ذهب فورسكال إلى الجزيرة العربية، كانت دراسة النباتات المذكورة في الكتاب المقدس واحدة من مهامه الأكثر أهمية. كما كرس بعضاً من وقته خلال تواجده في جامعة أوبسالا لدراسة اللغتين العربية والعبرية.
لم يمكث فورسكال في جامعة أوبسالا سوى سنتين ونيف من السنوات المتفق عليها. وبحلول خريف عام 1753 كان قد سجل في جامعة غوتنغن. كانت غوتنغن تقع في مملكة هانوفر، وهي الدولة التي كانت على علاقة اتحاد خاص مع مملكة بريطانيا العظمى منذ 1714. تأسست الجامعة عام 1737، وتميزت بشكل ملحوظ بالثقافة البريطانية.
في غوتنغن، درس فورسكال اللاهوت؛ لكن دراساته اتجهت بشكل متزايد نحو الفلسفة؛ دون أن يعني هذا أنه تخلى عن العلوم الطبيعية؛ إذ كان على تواصل دائم مع لينيوس، وكان يقوم بتزويده بالبذور التي كان يطلبها. لم يكتف بذلك، بل قام بجمع بعض زملائه لدراسة الحشرات المحلية. "في أوقات الفراغ وعندما يكون الطقس معتدلاً حاولتُ أن أكوّن مجموعة من تلك الحشرات، واستطعت أن أستعين بثلاثة أصدقاء كانوا أيضاً قد بدؤوا في الاستمتاع بهذا الأمر". هذا ما كتبه في إحدى رسائله. كما ظهر فورسكال وهو يصطاد الفراشات، في أحد الرسومات التي احتواها دفتر مذكراته المحفوظ. ومع هذا ظلت الفلسفة هي شغله الشاغل. في يونيو 1756، دافع عن أطروحته المعنونة "شكوك بشأن مبادئ الفلسفة المعاصرة" (Dubia de principiis philosophiae recentioris ). في مقدمة أطروحته كتب فورسكال ما يلي: "بناء على المشورة السديدة لوالدي، اعتدتُ على إجراء دراساتي العلمية، وبالقدر المتاح لي، بمحاولة دحض وتفنيد كل شيء، ثم القيام بكتابة المبررات والتفسيرات التي تسنى لي معرفتها. كانت النتيجة أن بدأت الشكوك تظهر من تلقاء نفسها، بعد أن كنتُ أسعى إليها".
كان أساتذته معجبين بدقته، وإن كانوا أيضاً يعتقدون أنه قد ذهب بعيداً في ما يتعلق بموقفه من مبدأ الشك. من الواضح أن فورسكال كان يؤمن بأهمية أطروحته ومعتداً بها؛ ذلك أنه قام بنشر طبعة جديدة منها في كوبنهاغن عام 1760، مع مقدمة جديدة.
وممن تأثر بهم فورسكال، كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، الذي ذكره في أطروحته. ولا بد أن فورسكال كان قد قرأ أعمال هيوم في ترجمتها الألمانية.
من بين الأشياء التي جمعت بين فورسكال وهيوم موقفهما العملي من الفلسفة؛ فكلاهما عبر عن استنكاره للعلماء الذين يدفنون أنفسهم في نظرياتهم. كتب هيوم: "لقد تم احتكار التفكير من قبل الأكاديميين المنغلقين على ذواتهم، الذين لم يستعينوا بالتجربة في أي من استنتاجاتهم، أو الذين لم يبحثوا قط عن تلك التجربة، التي لا يمكن الحصول عليها إلا في الحياة العامة وفي الحوارات وتبادل أطراف الحديث مع الآخرين" ("عن كتابة المقالات" – 1741).
شعر فورسكال بارتياح كبير في بيئة البحث غير المتحفظة في غوتنغن، حيث كانت تختلف كثيراً عن مثيلتها في أوبسالا. بالنسبة له، كان الافتقار إلى الحرية هو السبب الواضح لذلك. في إحدى رسائله كتب فورسكال بنوع من السخرية الناقدة لنظرية المناخ لمونتسكيو قائلاً: "لو كان لدينا في السويد حرية في التفكير والكتابة كتلك التي في إنجلترا وألمانيا، لأتضح لنا يقيناً أن المناخ البارد لن يكون له أي ضرر على التفكير".
كان هذا الجو الخانق هو الذي أحاط به عندما عاد إلى الوطن في أواخر خريف 1756. كانت المنحة الدراسية قد انتهت، وكان عليه ليعيل نفسه أن يعمل، مدرساً خصوصياً للكونت يوهان غوستاف هورن، ابن الثالثة عشرة حينها. إلى جانب الدروس الخصوصية هذه، دَرَسَ فورسكال الكيمياء وبدأ يبدي اهتماماً كبيراً بالزراعة.
لم يكن فورسكال منظراً، على الرغم من نجاحه كفيلسوف (حتى أنه تعين عضواً في أكاديمية العلوم، التي تأسست في غوتنغن على غرار نموذج الجمعية الملكية في لندن).
عندما ادعى أحد ملّاك الأراضي في إحدى المجلات أن صنفاً من الحبوب يمكن أن يتغير إلى صنف آخر عن طريق استيلاد النبات بالتلقيح الصناعي، وأن بذور الشوفان تحت ظروف معينة يمكن أن تنتج محصولاً من الشعير، كتب فورسكال ما لا يقل عن ستة مقالات في المجلة نفسها لإثبات سخف هذا الادعاء. ولكي يثبت صحة آرائه قام أيضا ببعض التجارب الزراعية.
في رسالة إلى أستاذه في غوتنغن، البرفسور ج. د. ميخاليس، كتب فورسكال أنه يفضل دراسة الاقتصاد، الذي وصفه بـ"العلم الحر والمفيد، والذي تتعدد استخداماته في كل مكان"؛ غير أن محاولته، لتعيينه في منصب أنشئ مؤخراً كمحاضر في الاقتصاد، باءت بالفشل. أستاذ الاقتصاد، أندرس بيرتش، وجد أن فورسكال غير مؤهل لشغل المنصب. في تقريره، كتب بيرتش أن فورسكال كان بالأساس أكثر اهتماماً بعلم النبات. كان بيرتش محقاً فعندما كان ولينيوس يحاضران في الوقت نفسه، كان فورسكال يختار الاستماع إلى محاضرة لينيوس.
في أبريل 1759، طلب فورسكال الإذن للدفاع عن أطروحة في الاقتصاد بعنوان "عن زراعة المروج" (De pratis conserendis )؛ لكن طلبه لم يلقَ استجابة، وقرر فورسكال بعدها أن يترك هذا الموضوع؛ لكنه مرة أخرى أبدى استعداداً للتحول إلى موضوع جديد؛ كان هذه المرة "علم القانون"، الذي شُغف به.
في مايو 1759، تم في كلية الفلسفة الإعلان عن أطروحته "الحضارات الليبرالية" (De libertate civili )، التي كُتبت باللغتين السويدية واللاتينية، وهو الأمر الذي لم يكن مألوفاً من قبل. في أطروحته السابقة عن مبادئ الفلسفة، كان لفورسكال منهج مهم للتعاطي مع قضية أصل حقوق الإنسان. بالنسبة له، كانت استقلالية الفرد تعني ضمناً أن تكون حقوقه مضمونة.
حتى لو كان هذا النوع من الجدل نظرياً، فإنه كان حساساً للغاية، ذلك أن فورسكال لمس واحدة من أهم قضايا الخلاف في عصر الحرية (1719–1772)، ألا وهي مسألة الامتيازات. عندما قامت السويد، بعد وفاة كارل الثاني عشر (1718)، بتوسيع دستورها الجديد، تم تجديد الامتيازات المتوارثة للنبلاء؛ غير أن الطبقات الاجتماعية الثلاثة الأخرى التي تشكل البرلمان، وهي: رجال الدين، البرجوازيون، والفلاحون، اعترضت، وظلت هذه القضية حية ومتداولة خلال فترة ما يسمى بعصر الحرية. حتى وقت متأخر من عام 1770 تم طرح مقترح في البرلمان مفاده وجوب وضع قائمة من الامتيازات تتضمن الطبقات الثلاثة تلك.
كان لامتيازات البعض تأثير في تقليص حقوق الآخرين، ووقفت هذه الامتيازات في طريق الأفكار حول حقوق الإنسان، التي بدأت تنمو خلال أواخر القرن الثامن عشر. كتب فورسكال: "يجب أن يكون لكل شخص حصة معقولة من الأعباء العامة كما من المزايا والمنافع"، وكانت المطالبة بحقوق الإنسان تبدو واضحة في جميع نصوصه، حتى وإن لم يستخدم العبارة مباشرة.
رفضت الكلية طلب فورسكال طباعة الأطروحة؛ غير أنه لم يرضخ لهذا القرار، وقرر اللجوء إلى حكومة الدولة من خلال مجلس العدلية (Kanslikollegium )؛ لكن طلبه رفُض هناك أيضاً.
حينها اتخذ فورسكال قراراً يشهد على قدر كبير من الشجاعة الأدبية. قرر أن يتجاهل الوسط الأكاديمي، وأن يتوجه بدلاً من ذلك إلى الجمهور العام. ومع ذلك، كان على المطبعة قبل أن توافق على طباعة مشروعه أن تحصل على إذن مسبق من الرقيب المعتمد في المملكة.
كان فورسكال يعلم أن الرقيب الذي يتبع مجلس العدلية لا يمكن أن يتوقع منه أن يتخذ موقفاً مغايراً؛ لكنه كان يعلم أيضا أن موقف المجلس لم يكن قوياً بشكل خاص، فقد كان عليه في الأساس أن يلتزم بالرأي الذي تتفق عليه قطاعات البرلمان. بالإضافة إلى أن البرلمان، الذي من المقرر أن يجتمع بعد بضعة أشهر، يمكن أن يعلن بكل سهولة أن قرارات الكلية ملغاة وباطلة.
في رسالته إلى مجلس العدلية، كان لفورسكال الجرأة أيضا للإشارة إلى اعتماد الكلية على البرلمان، وكتب أنه كان مقتنعاً بأنه "في أرض الحرية"، وأنه "على الدوام لا يجب أن يعيش بدون الجزء الأكثر لطفاً من الحرية، ألا وهو أن يُسمح له بالتحدث والكتابة عن العيوب والمزايا في البلاد".
للحصول على إذن بالطباعة، كان على فورسكال أن يوافق على عدد من التعديلات وحذف بعض العبارات من النص، خاصة تلك التي تتعلق بالمطالب الجذرية لحرية الصحافة والطباعة، بالإضافة إلى بعض الإشارات إلى الوضع السياسي الراهن. في عدد من الحالات، تطلب الأمر أن تُحوّر عبارات فورسكال الأصلية لتصبح أكثر ليونة، وأكثر غموضاً، ومنها مثلاً انتقاده للنظام النقابي.
قرار الرقيب إعطاء فورسكال إذن الطباعة مازال مُستغرباً ويثير العجب والاندهاش. ولكي نجعل الوضع مفهوماً، لا بد أن نوضح ببعض كلمات أوضاع حرية الصحافة والطباعة خلال الفترة من تاريخ السويد التي أطلق عليها اسم "عصر الحرية".
وكنقطة مناسبة للانطلاق نذكر اجتماعاً عُقد في مجلس العدلية في يناير 1722، بعد فترة وجيزة من اعتماد الدستور الجديد، الذي نص على أن الرقيب يجب أن يطّلع أولاً كل ما يُقدم للصحافة والطباعة في نطاق المملكة، و"عندما لا يجد الرقيب شيئاً مُهيناً أو غير لائق فيه" يحق له آنذاك أن يعطي إذناً كتابياً منه. يحدث هذا فقط "بعد أن يكون قد أبلغ المجلس بذلك وحصل على موافقتهم".
هذا النص غريب لأنه يفتح المجال للمنافسة بين السلطتين. من الناحية الفنية، فإن القانون الجديد بشأن الكلية لم يدل على أي تغيير بالمقارنة مع القوانين التي حددت مهام الرقيب خلال الفترة السابقة من الحكم الاستبدادي المطلق. ومع ذلك، ففي حين كانت الرقابة صارمة في الماضي، تم الآن إعطاء مساحة من الحرية أكبر لهيئات صنع القرار بشكل انفرادي. كان سبب النقاش في يناير 1722 حول هذه المسألة هو طلب قدمه ايمانويل سويدنبورغ، الذي كان آنذاك نائب قاض في المجلس السويدي للمناجم (Bergskollegium )، بالسماح له بطباعة كتيب حول الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد بعد حرب طويلة (حرب الشمال الكبرى 1700- 1718). حصل سويدنبورغ على الترخيص؛ لكنه أراد أن يذهب أبعد من ذلك بأن يُسمح له بطباعة دعوة في صحيفة "ستوكهولمسكي" السويدية للقراء والجمهور لإبداء وجهات نظرهم حول الكتيب. أثار طلبه هذا جدلاً ونقاشاً حيوياً شارك فيه كلٌّ من الرقيب المباشر يوهان روزندلر، وسلفه يوهان برونر، الذي كان قد تولى المنصب خلال عهدي كارل الحادي عشر وكارل الثاني عشر. وفي حين جادل برونر بقوة ضد الاقتراح القاضي بأنه "ينبغي السماح للأفراد بتقديم آرائهم حول مسألة بهذه الأهمية العامة"، كان رأي روزندلر أن من المهم أن يُسمع رأي الجمهور، لاسيما في القضايا التي تهم الجميع "من المتسولين إلى الأغنياء". كان يرى أن ذلك سيسهل تسوية القضايا في البرلمان القادم متى ما كان هناك نقاش عام حولها.
لم يحصل سويدنبورغ على الترخيص؛ لكن هذا الخلاف أظهر أن فكرة اتساع حرية التعبير كان لها مؤيدون أقوياء. مستشار المحكمة نفسه، كارل جيلنبورغ (الذي سيصبح لاحقاً واحداً من أهم رجال الدولة من عصر الحرية) وقف إلى جانب روزندلر قائلاً: "إنني أشاطرك وجهة نظرك"، مضيفاً: "في الدولة الحرة، لا يجب منع أي شخص من المناقشات العامة للأمور التي تهم الجميع، خاصة أن الحقيقة تبعاً لذلك ستخرج إلى النور، وسيكون الجميع على اطلاع بشكل أفضل حول طبيعة القضية". ثم أشار إلى إنجلترا وحرياتها التي كان قد اطلع عليها عندما أقام فيها في وقت سابق كدبلوماسي.
وعلى الرغم من أن مكتب الرقابة ظل موجوداً حتى خلال أفضل فترات عصر الحرية؛ إلا أن مسألة اعتماد حرية الصحافة والطباعة كانت دائماً مشتعلة. الكاتب الدنماركي لودفيج هولبرغ ذكر في رسالة عام 1749 أن أحد الزوار السويديين إلى كوبنهاغن قال إن هناك فكرة عامة لاعتماد حرية الصحافة والطباعة في السويد، كما هو الحال في إنجلترا وهولندا؛ إلا أن مؤيدي هذه الفكرة مازالوا أقلية.
مارس روزندلر، وخليفه غوستاف بينزيلستيرنا الرقابة باستقلالية؛ غير أن الوضع اختلف مع الرقيب الثالث في تلك الفترة: نيكولاس أولرايش، الذي كان، بالمقارنة مع سابقيه، مشاركاً بعمق في المعارك السياسية في ذلك الوقت. قبل بضع سنوات، كان قد أصدر مجلة يمكن أن تُعتبر لسان حال أحد الحزبين الرئيسيين في ذلك الوقت. وعندما أرادت المعارضة بدورها أن تنشر مجلة خاصة بها، استغل منصبه كرقيب ومنعها من الصدور.
لم يكن أولرايش يرغب بإلغاء الرقابة، بل إنه دعا في مجلته إلى ضرورة زيادة سلطات الرقيب. وعوضاً عن ضرورة تقديم تقرير إلى مجلس العدلية، أراد أن يخضع الرقيب مباشرة للبرلمان باعتباره السلطة المتحكمة، وبهذه الطريقة سيحصل الرقيب على حق مطلق في اتخاذ القرارات، على الأقل عندما لا يكون البرلمان منعقداً.
هذا الشخص الضالع بعمق في السياسة هو من أعطى فورسكال الترخيص بطباعة كتابه "أفكار حول الحرية المدنية". كان فورسكال يدرك جيداً أن توزيع الكتاب سيتم منعه بسرعة. وعندما تم طبعه قام بجمع نسخه الخمسمائة على الفور من مطبعة لارس سالفيوس، وسارع إلى توزيعها بين أصدقائه.
إلى أي مدى كان سالفيوس ضالعاً في مسألة نشر النص هو سؤال مثير للاهتمام حقاً؛ فسالفيوس نفسه كان قد تطرق إلى العديد من القضايا التي تعامل معها فورسكال في كتاب نشره قبل عدة سنوات، وكلا الرجلين يُعتبر ضمن مجموعة المبدعين المجددين الراديكاليين القادمين من الجزء الفنلندي للمملكة. يقول بعض المفكرين إن المساهمة الفنلندية في حركة التنوير السويدية لها نفس أهمية المساهمة الاسكتلندية في حركة التنوير الأنجلوساكسونية.
في نفس اليوم الذي طُبع فيه كتاب "أفكار حول الحرية المدنية"، دعا مجلس العدلية إلى اجتماع لمناقشة الوضع. استُدعي سالفيوس لشرح ما حدث، فقام بعرض مخطوطة الكتاب وعليها ترخيص الرقيب أولرايش . كما أخبر المجلس بأن المؤلف أخذ كل نسخ الكتاب المطبوعة. كان أولرايش  هو الشخص الآخر الذي دُعي إلى المجلس للاستماع إليه. أعلن أولرايش بوقاحة أنه لم يكن لديه فكرة عن أن الكتاب سيكون مطابقاً لأطروحة فورسكال الممنوعة، مستنكراً جرأة فورسكال لطلب ترخيص لنص محرم.
ثم جاء دور فورسكال، الذي قال إنه، وبمساعدة الرقيب، قام بحذف جميع النقاط السياسية الحساسة، وأن الكتاب، بناء على ذلك، يُعتبر نصاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي تم فحصه والاعتراض عليه في وقت سابق.
قرر مجلس العدلية الاكتفاء بتحذير المؤلف؛ لكنه أمر أيضاً بمصادرة جميع نسخ الكتاب. كان الانتقاد الوحيد الموجه إلى المؤلف هو أنه وافق على درجة الأستاذية من الدنمارك دون الحصول على إذن من الكلية. ربما كان التعامل غير الصارم مع فورسكال يرجع إلى حقيقة أنه كان آنذاك قد عُين للمشاركة في البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية. محاضر الكلية تذكر أنهم "لم يريدوا تماماً كبت النبوغ الذي كان يتمتع به"، بالإضافة إلى أنه كان من الضروري أن توضع "مشاركته في خدمة ملك الدنمارك" في عين الاعتبار.
وعلى الرغم من أنه لم يتم الإعلان عن حظر الكتاب إلا في فبراير من العام التالي؛ إلا أن عملية تجميع نسخه المطبوعة بدأت على الفور. كان الشخص المسؤول عن تجميع النسخ هو رئيس جامعة أوبسالا، لينيوس. تم استدعاء فورسكال، الذي أوضح أنه قام بتوزيع 49 نسخة من الكتاب، وترك 53 نسخة لدى مكتبة المدينة لبيعها. وجه لينيوس أمراً بتفتيش منزل فورسكال؛ لكن لم يتم العثور على أي نسخة. وكتب في رسالته إلى الكلية قائلاً إن العديد من النسخ ربما قد تم إرسالها عن طريق البريد، طالباً المشورة فيما يجب القيام به لاستردادها.
 من إجمالي 500 نسخة مطبوعة من كتاب "أفكار حول الحرية المدنية"، لم يتم مصادرة سوى 79. النسخ الأخرى تم تداولها بين المهتمين، كما تم إعادة نسخ المخطوطة الأصلية أكثر من مرة كما هو معروف. وهكذا كان كل ما فعله حظر الكتاب هو المساهمة في ازدياد الطلب عليه.
أما بالنسبة للرقيب أولرايش فلم يُعطَ أي اعتبار؛ إذ قررت الكلية فصله، كما طالب البعض بمحاكمته؛ ذلك أنهم اعتبروا إقالة موظف عمومي من وظيفته دون تحريات قانونية أو إدانة مخالفاً للدستور. تبعاً لكل ذلك قرر أولرايش مغادرة المدينة والتوجه إلى مقر إقامته في الريف.
تولى أندرس وايلد، الذي كان يعمل مساعداً لأولرايش ، مهام الرقابة. جاء الخريف وبدأ البرلمان بعقد جلساته. رجع أولرايش من إقامته في الريف وأرسل تابعه الخاص إلى الكلية ليخبرهم أنه قد استأنف عمله من جديد. منذ ذلك الوقت، وخلال الفترة اللاحقة، عمل أولرايش ووايلد كرقيبين معاً في وقت واحد، وأمطرا البرلمان بوابل من الشكاوى المتبادلة حول الصراع بينهما.
لم يُتخذ أي قرار بشأن مستقبل الرقابة خلال فترة انعقاد البرلمان تلك. حتى الرقيب الجديد، ماغنوس فون سلسي، الذي تم تعيينه، لم يداوم أبداً في مكتبه، وهكذا ظلت مسألة كيف وبواسطة من سيتم التعامل مع الرقابة مسألة غير محسومة.
ساهم هذا الارتباك على الأرجح في القرار الذي اتخذه البرلمان بإلغاء مكتب الرقابة، عندما انعقدت جلساته مرة أخرى في 1766. كانت عملية الإشراف على سوق الكتاب تزداد صعوبة، بسبب الغموض الذي يكتنف عملية صنع القرار، كما ظهرت وسائل أخرى أفضل للرقابة على المصنفات الفنية.
لم يكن إلغاء الرقابة المسبقة هو الميزة الفريدة في قانون 1766 الخاص بحرية الصحافة والطباعة، فقد كان هذا الأمر معمولاً به في إنجلترا منذ 1695. غير أن القانون الجديد، وخلافاً لجميع القوانين السابقة، لم يتضمن فقط قائمة بالقيود التي يجب على المؤلف مراعاتها؛ ولكن تضمن أيضاً ما يعتبر جدار حماية ضد ميل السلطات إلى فرض عقبات جديدة أمام حرية النشر. كان الجزء الأكثر أهمية في القانون الجديد (والذي احتل المساحة الأكبر أيضاً) هو مبدأ قدرة العامة على الدخول إلى السجلات الرسمية؛ بعبارة أخرى: حق المواطنين في الحصول قرارات المحاكم ومحاضر الحكومة والبرلمان من بين أمور أخرى كثيرة.
لكن كان في القانون الجديد عيوب، أهمها استمرار الرقابة على المنشورات الدينية، وعدم حماية الكلمة المنطوقة. في هذا الصدد، تم تحقيق مزيد من التقدم في الولايات المتحدة عندما تم اعتماد التعديل الأول الشهير للدستور الأمريكي عام 1791.
بعد بضعة أشهر فقط من إصدار قانون حرية الصحافة والطباعة، نشرت الحكومة تحذيراً لمواطنيها ضد نشر الشبهات وافتعال الأقاويل، وفيه: "في الشركات الكبيرة أو الصغيرة [...] من خلال نشر الشكوك والأكاذيب لزرع مشاعر التذمر، والشقاق، أو إثارة المنازعات الضارة بين مواطني المملكة". في هذا التشريع طُلب من المواطنين، مقابل مكافأة قدرها 2000 دولار من العملة الفضية، الإبلاغ عن أولئك الذين يمارسون بعمد العبارات والبيانات الجنائية.
لقد اقتبست هذا التشريع الصادر في 2 مارس 1767 لأوضح أن قرار البرلمان السويدي لم يكن نتاجاً للإيمان القوي بأهمية حرية التعبير، وأن قانون حرية الصحافة والطباعة كان نتيجة للخلافات السياسية القائمة، أكثر من كونه نتاجاً لإيمان راسخ وعميق بحرية الصحافة.
غير أن هذا لا يقلل حقاً من أهميته؛ فخلال الفترة 1767- 1772، عندما استعاد غوستاف الثالث السلطة مرة أخرى من البرلمان، تم إصدار ما لا يقل عن حوالي 80 دورية، وما يقارب الـ2000 منشور سياسي. خلال عام واحد، وهو عام 1769، تم نشر ما لا يقل عن 138 نشرة اقتصادية. في الفترة نفسها، أصدرت السويد أول صحيفتين يوميتين، ولم تكن هناك قضية سياسية إلا وتم تسليط الضوء عليها آنذاك.
في تاريخ السويد كانت ستينيات القرن الثامن عشر مليئة بالاضطرابات. كثير من المفكرين السويديين لا يقدرون عالياً هذا العقد؛ غير أن المؤرخ الإنجليزي مايكل روبرتس (1908-1997)، على النقيض من ذلك، كتب عن التجربة الفريدة من نوعها في الحكومة البرلمانية، مقارناً تلك الفترة بما كان عليه الوضع في فرنسا خلال السنوات التي سبقت الثورة.
كان فورسكال على معرفة جيدة بالقوى السياسية التي تتحرك على الساحة. في واحدة من رسائله العديدة المدافعة عن النقاش الحر، يذكر فورسكال أن الهدف من النقاش الحر هو الحؤول دون استبدال "الهيمنة التي لا تطاق للوردات" بـ"الحكم المطلق الميؤوس منه".
كان شكل الحكومة الذي تم الاتفاق عليه بعد وفاة كارل الثاني عشر يهدف إلى توزيع السلطة. مع مرور الوقت، بدأت السلطة رويداً رويداً تتركز في البرلمان، وهيئته المركزية، اللجنة السرية، حيث تم تمثيل ثلاث قطاعات فقط من بين القطاعات الأربع. خلال ستينيات القرن الثامن عشر، عملت قوى جديدة على إعادة التوازن البرلماني في الشكل الذي حدده القانون الأساسي. تم الاعتراض على الامتيازات وسلطة النبلاء، وكذلك الملكيين، الذين كانوا يريدون استعادة الملك إلى السلطة، وكان مقدراً أن تفوز المجموعة الأخيرة بالمعركة.
كان فورسكال على دراية بالمخاطر التي ينطوي عليها نشر عمله. أحد الأساتذة في جامعة أوبسالا، يوهان إهري، كان قد حُكم عليه بخصم راتب سنة كاملة بسبب السماح لأطروحتين باللاتينية تضمنتا محتوى سياسياً. كان موضوع الأطروحتين تحديداً هو الحكومة المدنية. في هذه الأوضاع حاول سالفيوس نشر النص باللغة السويدية؛ لكن تم إيقافه. كان الرقيب قد أجاز العمل؛ لكن الحكومة تدخلت ومنعته. عشر سنوات كانت قد مرت منذ ذلك الحين، وكان لفورسكال الأسباب الكافية للاعتقاد بأن نطاق حرية الرأي قد اتسع.
كانت الإصلاحات التي أراد فورسكال تنفيذها مهمة للغاية. طالب فورسكال بالحق في التظلم والاستئناف ضد الأحكام المشكوك فيها. كما أراد فرض ضرائب أكثر عدلاً. طالب أيضاً بإلغاء امتيازات النبلاء المؤكدة لحقهم في الحصول على الوظائف العليا، وبإصلاح نظام نقابة التجار والصناع، وبإنشاء المدارس للأطفال من الطبقات الشعبية، وأراد أيضاً زيادة حرية التعبير والشفافية العامة، بالإضافة إلى مطالبته بألّا شيء يخص "المنافع الأهلية" يجب حجبه عن "عيون المواطنين".
لا شك أنها قائمة مدهشة من المطالب ضمت تقريباً كل الحقوق التي تضمنها بعد 30 عاماً الإعلان الفرنسي العالمي لحقوق الإنسان والمواطن، باستثناء حق الأفراد في اختيار وممارسة معتقداتهم الدينية بحرية، وهو البند الوحيد الذي لم يتضمنه نص فورسكال.
من بين الفقرات التي أجبر الرقيب فورسكال على حذفها فقرة أكد فيها أن "الوحي الإلهي" لا يمكن أن يُساء إليه إذا تمت مناقشته. كان الاستبداد السياسي قد انتهى في السويد؛ لكن الاستبداد الديني لم يكن قد انتهى بعد.
كانت الفقرة الأكثر تحدياً في كتاب "أفكار حول الحرية المدنية" هي الفقرة التاسعة (الثامنة في النسخة المطبوعة عام 1759)، حيث تنص على أن حرية الصحافة والطباعة هي البديل الوحيد للعنف، كما أن "من شأن الحكومة الحكيمة أن تدع رعاياها يعبرون عن استيائهم بواسطة الأقلام بدلاً من الأسلحة الأخرى".
في رسالته إلى الملك التي دافع فيها عن نفسه كان فورسكال أكثر صراحة، وفيها يقول: "من الواضح يا صاحب الجلالة أن هناك أشخاصاً ساخطين ومستائين في كل الممالك، وهؤلاء ليسوا أقلية في السويد، ويمكن التعرف عليهم عادة من خلال حركات التمرد المتوقعة أو الفعلية. وبالقدر نفسه فإن من المعلوم أن هناك طريقتين فقط لتجنب الآثار الضارة لحالة السخط وعدم الرضى، إحداهما تتطلب الحبر، بينما الأخرى تتطلب الدم. إذا سمح للساخطين بالتحدث بحرية فإن من الممكن دحض حججهم وتبصيرهم، وبالتالي تحويلهم إلى جمهور مستنير؛ ذلك أن الذين يفقدون حججهم يفقدون بالتالي سخطهم، وكذلك ميلهم إلى التمرد. غير أنه في حال تم رفض هذه الوسائل القابلة للتطبيق [...] فلن يكون لدى الحكومة من خيار سوى مواجهة العنف بالقوة. وبالنظر في ما قد ينتج عن ذلك من إزهاق للعديد من الأرواح، فإن ذلك لن يفضي إلا إلى مجرد إخفاء، وأحياناً تأجيج، السخط، الذي في ظل ظروف جديدة قد يندلع من جديد".
أضاف فورسكال بعد ذلك شيئاً لا بد أنه كان آنذاك استفزازياً للغاية؛ إذ كتب: "في السويد هذه الطريقة الصعبة مع ذلك قد تكون أقل موثوقية؛ إذ لا يتم دعم وإعالة غالبية الميليشيات من قبل الحكومة، بل إنها تُنشأ من خبز الفلاحين وأسلوب تفكيرهم".
اتضح حينها أن فورسكال كان قد أخطأ في الحكم على الوضع؛ إذ لم تكن هناك حاجة إلى "الطرق القاسية" لوقف مسيرة التقدم نحو النظام البرلماني، والحكومة الشعبية، التي كانت قيد التنفيذ في السويد خلال عصر الحرية، ولم يضطر غوستاف الثالث إلى اللجوء للعنف عندما استأنف السلطة الملكية في 1772.
قد يبدو إيمان فورسكال بقوة الكلمة الحرة ساذجاً وغير واقعي، كما أنها لا تتفق مع آراء الآخرين في عصر التنوير. ربما كان لفولتير وجهة نظر أكثر واقعية عندما قال إن قوة السيف، وليس الكلمة، هو الذي يقرر تطور الدول.
في المنظور قصير المدى كانت وجهة نظر فولتير على حق بالطبع؛ لكن الأمر ليس كذلك في المنظور طويل المدى. تطور المجتمعات وحرية التعبير أمران مترابطان ويؤثران بعضهما في بعض. وعلى أية حال فإن التطور يستغرق وقتاً طويلاً.
ربما كان هذا ما قصده فورسكال بالذات عندما كتب أن الهدف من حرية التعبير هو خلق "جمهور عام مستنير". إن تشكيل ما نسميه بالرأي العام كان الهدف الأساسي من حركة التنوير. وفي هذا الصدد، كان فورسكال ممثلاً لحركة التنوير تلك، بل كان أبرز ممثليها في السويد.
في رسائله التي بعثها من البعثة العلمية إلى الجزيرة العربية، كتب فورسكال معلقاً على الوضع السياسي في بلده الأصلي. بالتأكيد، كان يتوقع أن تتحقق حرية الصحافة والطباعة في نهاية المطاف خلال فترة البرلمان التي كانت قد بدأت قبيل مغادرته. وكم كان مخيباً للآمال أن يتم تأجيل هذه القضية إلى المستقبل! بالتأكيد كان فورسكال سيواصل المعركة إن ظل في السويد. في رسالة متبادلة بين بعض طلابه نقرأ: "إذا عاد فورسكال إلى الوطن فمن المرجح أن تبدأ الحرب من جديد، وبشكل أكثر ضراوة وتعطشاً".
غير أنه عندما اجتمع البرلمان بعد سنوات عديدة وأصدر أخيراً قانون حرية الصحافة والطباعة، لم يكن فورسكال على قيد الحياة. واحد فقط من المشاركين الأربعة في البعثة العلمية عاد، ولم يكن هو. كان فورسكال قد مات بالحمى.
لم يكن مقدراً لفورسكال أن يرى كيف حصلت السويد على قانون يحمي حريتها في النشر والطباعة، لتصبح البلد الأول في العالم الذي يملك مثل هذه الحماية؛ لكنه أعفي أيضاً من رؤية ما حدث بعد سنوات من تقليص لهذه الحرية، والقضاء عليها تدريجياً، ورجوع الملكية المطلقة من جديد، وكيف لم يجرؤ أحد على نشر كتابه عن الحرية المدنية على الرغم من القانون الأساسي الجديد. أما أولئك الذين تم اكتشاف وجود نسخ من الكتاب في مكتباتهم فقد دفعوا غرامات ثقيلة.

   
   
   
 
 

أفكار حول الحرية المدنية
بيتر فورسكال

 

§.1.
كلما عاش المرء وفقاً لميوله الخاصة، أصبح أكثر حرية. لذلك، إلى جانب الحياة نفسها، لا يوجد شيء آخر يمكن أن يكون أكثر أهمية للمرء من الحرية. لا يتنازل أي إنسان رشيد أو يحد من حريته؛ إلا إذا أجبر على القيام بذلك، عن طريق العنف أو الخوف من شر أكبر .

 

§.2.
الميزة التي يعشقها المرء لا تحتاج إلى تقييد في عالم يحب الجميع فيه الفضيلة . ولكننا كثيراً ما ننجذب إلى ممارسة الرذائل والظلم. ولهذا، يجب وضع الحدود بالنسبة لنا، كما يجب أن تفقد الحرية جانبها الضار، وأن يظل منها ما يكفي المرء -وفقا لإرادته  الذاتية- من أن يفيد نفسه والآخرين، وألا يلحق الضرر بأحد .

 

§.3.
عندما يُمنح هذا لكل فرد من أفراد المجتمع، عندها تكون الحرية المدنية حقيقية . هذا يعني ألا يُـمنع أي فرد من القيام بما هو لائق ومفيد للمجتمع، وأن كل شخص مستقيم يمكن أن يعيش في أمان، يطيع ضميره، ويستخدم ممتلكاته، ويساهم في رفاهية المجتمع الذي يعيش فيه .

 

§.4.
إن الخطر الأكبر على هذه الحرية يأتي دائماً من أولئك الأكثر نفوذا وقوة في البلاد، من خلال مناصبهم أو مراكزهم الاجتماعية أو ثرواتهم. إذ أن ليس باستطاعتهم فقط أن يسيئوا استعمال السلطة التي يملكونها بسهولة، بل أنهم يقومون أيضا بزيادة حقوقهم وقوتهم باستمرار، بحيث يزداد السكان خوفاً منهم أكثر فأكثر . ذلك لأن الحرية الكاملة للمجتمع ليست أن يكون الرعايا في مأمن من عنف الحاكم فحسب. صحيح إنها خطوة كبيرة وأولى نحو السعادة العامة، لكن، يمكن أن يتعرض الرعايا أيضاً للاضطهاد بعضهم من بعض. وفي جمهوريات عديدة، مثل البولندية والإيطالية، والتي تفخر باسم الحرية المقدس، معظم الناس هم إجراء ضامنون للطبقة الغنية .

 

§.5.
ذلك لأن الحرية الكاملة للمجتمع ليست أن يكون الرعايا في مأمن من عنف الحاكم فحسب. صحيح إنها خطوة كبيرة وأولى نحو السعادة العامة، لكن، يمكن أن يتعرض الرعايا أيضاً للاضطهاد، بعضهم من بعض. وفي جمهوريات عديدة، مثل البولندية والإيطالية، والتي تفخر باسم الحرية المقدس، معظم الناس هم إجراء ضامنون للطبقة الغنية .

 

§.6.
قد يسأل شخص ما: أي من السلطات الأعلى تكون سيئة لبلد ما؛ سلطة الحاكم أم المواطنين؟ أنا أعتقد أن الأخيرة غير محتملة، ولا يمكن تحملها؛ ولكن الأولى غير قابلة للشفاء أو التغيير، وبالتالي ينبغي للمرء أن يتجنب، بل ويرتعد، من الأولى أكثر؛ لأنه إذا لم يتم إزالتها، فلا يمكن أبدا إزالة الأخرى. باسم الحكام المستبدين، ومناصبهم، تمارس السلطة في كثير من الأحيان من قبل أفراد فاسدين، لا يستحقون نعمة رؤسائهم؛ لكنهم آمنين بسبب تمتعهم بها.
لأسباب عديدة، يكون من الصعب علاج عنف الحكام ذوي السلطة المطلقة. والاعتقاد المفرط بقداسة التاج يحمي حتى الملوك الأكثر ظلما. يتصور العديد أنه لا يوجد ما يكفي لإنسان لأن يصبح فرد ما فوق الآخرين، أو على مقربة من أن يصبح إلها. لأنهم مقدسون، يلعب ملوك البربر بحياة رعاياهم دون عقاب. في انكلترا، تجعل مجموعة غير المحلفين من الأمر مسألة ضمير؛ ألا يكونوا مخلصين نحو الأسرة الحاكمة غير المخلصة. ولكي لا نبتعد كثيراً بحثا عن الأمثلة، فقد استنفدت السويد مواردها من الرجال والمواد الغذائية والمال، خلال حروب الملك كارل الثاني عشر، وكان لا يزال يُـعتقد عن هذا البطل* بأنه لا يسير ببلاده إلى الخراب، بل يدافع عنها. وهكذا، لا يشعر الرعايا دائما بظلم الحكام، وإذا أحسوا بالظلم فليس من المؤكد أنهم يقدرون على تحرير أنفسهم منه. عند الضرورة، يقوم الأمراء لوحدهم بحراسة امتيازاتهم الخاصة، ولوحدهم يحكمون في كل الأمور. تجتمع فائدة وقوة البلد بأكمله في شخص واحد فقط. ولكن، عندما يضطهد بعض الأفراد أفرادا آخرين، ينتبه الجميع إلى ذلك الظلم، وعندما يسيء العديد استخدام سلطتهم معا، يتغلب الحشد الأكبر بسهولة على أهدافهم وقواهم المتباينة. ولذلك، فإن قوتهم وتبجيل الجمهور لا تضمن لهم الحماية الكافية. والحماية الوحيدة هي إخفاء الظلم الذي يمارسونه. لكن ذلك لا يمكن إخفاؤه طويلا إذا كان مسموحاً، في الكتابات العامة، لكل فرد التحدث عن الأمور التي تجري ضد مصلحة العامة .
*انظر: Enväldets skadeliga påföljder (الآثار الضارة المترتبة على الحكم المطلق) ستوكهولم، 1757.

 

§.7.
إذن، تتمثل حياة وقوة الحرية المدنية في حكومة محدودة وحرية غير محدودة للكلمة المكتوبة؛ طالما تتبع العقوبة الصارمة كل ما يُكتب ويكون محل أتفاق تام بكونه غير لائق، يحتوي الكفر بالله أو إهانة لخصوصية الأفراد، أو تحريضا واضحاً على الرذائل .

 

§.8.
الوحي الإلهي، والقوانين الأساسية الحكيمة، وشرف الأفراد، لا يمكن أن تتعرض إلى أضرار خطيرة بسبب مثل هذه الحرية في التعبير؛ لأن الحقيقة تنتصر دائما سواء تم إنكارها أو الدفاع عنها.

 

§.9.
على العكس، تدفع حرية الكلمة المكتوبة المعرفة إلى مستوى أعلى، وتُـزيل كافة القوانين الضارة، وتقيد ظلم جميع المسؤولين، وتشكل الضمانة الأكثر للدفاع عن الحكومة في الدولة الحرة؛ لأنها تجعل الناس في حالة حب مع مثل هذا النوع من الحكومات. في انكلترا، لا يسمع المرء غالبا عن التصاميم الخطيرة ضد القوانين الأساسية الراسخة. فهناك، يمكن منع الإخلال بالنظام العام في مرحلة مبكرة، من خلال حرية الجمهور في التعبير عن استيائهم.
من ناحية أخرى، في بلد ليس مجهولاً*،  كان لدينا مثال هام لحقيقة أنه عندما يتم الدفاع عن التوزيع غير المتكافئ للحرية باستخدام الكراهية والقسر، يلجأ الناس بسهولة إلى العنف واتخاذ التدابير اليائسة؛ إن الشخص الذي لا يملك إلا القليل سوف يفضل أن يخسر كل شيء بدلاً من، بعيداً عن الغيرة ورغبة الانتقام، أن يرى قدراً كبيراً من حرية المجتمع وحريته الخاصة تُسلب منه من قبل أقرانه من المواطنين؛ لأن من يملك القليل ليخسره يخاطر بخسارة أقل، وعندها يمكن له أن يلحق بعدوه ومعذبه خسارة كبرى. هذا الأمر قد لا يثير الإعجاب؛ لكنه يظل من الأمور الشائعة. ولذلك، يجب الحفاظ على الحرية بالحرية نفسها. طرق القمع والإكراه للساخطين يضع الحرية في خطر مطلق، بغض النظر عما إذا كان لديهم سبب للسخط أم لا. لهذا تسمح الحكومة الحكيمة لرعاياها أن يعبروا عن سخطهم بأقلامهم بدل الأسلحة الأخرى، الأمر الذي ينير من ناحية، ويهدئ ويحول دون قيام الانتفاضة والفوضى من جهة أخرى .
* الدانمارك .

 

§.10.
ذُكرت سابقا في (§.3.) إن الحرية المدنية تفضي إلى أن كل شخص مستقيم يمكنه أن يعيش في أمان، يطيع ضميره، يستخدم ممتلكاته، ويساهم في رفاهية المجتمع الذي يعيش فيه. سأشرح كلّاً من هذه النقاط بشكل مختصر. يضع القانون حياتنا في أمان كبير؛ لأنه ينص على أنه لا يجوز لأحد أن ينتهك جسد وصحة شخص نزيه بدون عقاب. ومع ذلك، يتعين على المرء الاستماع إلى أصحاب الاتهام وتنفيذ الأحكام الصادرة من القضاة، حتى لو لم يرتكب المتهم أي جريمة. ولأن المجتمع لا يمكن أن يوجد بدون محاكم قانونية، والقضاة ليسوا دائما محايدين*، فإن كراهية الناس والحماسة غير المقيدة انتزعت في بعض الأحيان الأكثر براءة من المواطنين. لا يوجد خطر أكبر من هذا، للحياة والسمعة في آن واحد، وإما أن التغيير غير ممكن أو أن حرية الدفاع عن النفس علنا قد تؤدي إلى تهدئة غضب الناس وردع القضاة من التلاعب. حتى لو لم يكن بالإمكان تحقيق هذا الأمر، فإن التعويض العادل على الأقل عن هذا الظلم الكبير هو أن يُسمح للمدان التعس، كما في انكلترا، أن يظهر لعشيرته ولأبناء بلده أنه يموت بريئاً.
* انظر: منشورات عديدة حول المحاكمات، والقضاة، والحرية والسلامة المناسبة للكلمة المكتوبة .

 

§.11.
في كثير من الأحيان قد يستند الضمير على آراء مزيفة، الأمر الذي لا ينبغي التسامح معه إذا كان هدفها الوحيد هو تدمير المجتمع والناس، مثل قواعد اليسوعيين المخادعة. ولكن أولئك الذين صاروا خطرين بسبب الضمير الفاشل عادة ما يمكن أن يصبحوا مواطنين صالحين، إذا تكيف المجتمع قليلا مع أوهامهم. يتهرب المينونيتيين من أداء القسم؛ لكن يمكن للمرء أن يثق بسهولة بكلمة "نعم" أو "لا" الصادرة منهم. لا يحارب العديد منهم العدو؛ ولكنهم يساهمون في دفع الأموال عن طيب خاطر لتمويل القوات المحاربة. هذه الاختلافات بين الأديان قد توجد دون أن تؤثر على الوحدة المدنية. يتجلى ذلك بوضوح وبسرعة من خلال الرفاهية والحرية في ولاية بنسلفانيا، حيث في إطار الحرية نفسها، ستفسح الأوهام الدينية في نهاية المطاف المجال لقوة الحقيقة، وتتقلص، غالبا، عند التحريض على حماسة حمقاء من خلال الاضطهاد، وسوف تنتشر بعنف أكثر، مثل النار تحت الغطاء. أخيراً، بما أن المكان الذي يكون فيه كل شخص بلا أوهام غير موجود، يصبح الأمر أقل أهمية فيما إذا كانوا يفشلون علنا، كما هو في انكلترا، أم كونهم منافقين، كما في أماكن أخرى .

 

§.12.
في المجتمع، يكون لدى الفرد ممتلكات، وذلك -جزئياً- بوصفه عضوا في الدولة، وجزئياً كفرد. من النوع الأول الدخل العام، وتلك التي تم شراؤها على أساسه، إلى جانب الخدمات العامة. ومن النوع الأخير ما يملكه كل فرد. ينبغي أن يحمي القانون كليهما من العنف، ومن التعرض للإيذاء. ينبغي أن تقع على كل فرد حصة معقولة من الأعباء العامة والفوائد، ولأن المجتمع مشترك بين الجميع فينبغي للحرية أيضاً أن تكون كذلك. ولذلك ينبغي ألا تجمع ضرائب البلاد بمبالغ كبيرة جداً بناءً على إنفاق البعض، بل ينبغي على الجميع المساهمة في الدخل العام وفقاً لدخلهم الخاص. وعلاوة على ذلك، لا ينبغي لمن هو مؤهل لأن يتولى المناصب العامة ومناصب الشرف أن يكون محروماً من أمل تحقيقها .

 

§.13.
إذا كانت الاختبارات المناسبة مطلوبة قبل التعيين في كل الوظائف العامة، وإذا سُمح لأولئك الذين أكملوا مثل هذا الاختبار بالانتقال إلى المستوى الأعلى فقط بسبب الوقت الذي قضوه في الخدمة في عملهم السابق، وإذا كانت الخطوة الأولى ستكون من نصيب أول من ثبتت كفاءته للعمل؛ فلن تقع هذه المناصب في يد من لا يستحقها، ولن يكون بالتالي للأسرة أو الأموال أو المحسنين أهمية لضمان الترقية أكثر من حرص المرء ومهارته .

 

§.14.
لا توجد اختبارات أسهل أو أكثر موثوقية من امتحان المعرفة، ثم الممارسة المرتبطة بالعمل. تستخدم هذه لرجال الدين عندنا، ولجميع المسؤولين الحكوميين في الصين. ولكن، لن يكون عملاً بارعاً ألا يروق لك الأفضل، إذا ما سمح للمرء أن يسأل عن كل ما يريده المرء ويحكم على ما يختاره. لهذا كان من الضروري أن يشترط لكل عمل معرفة معينة، وكتب خاصة، وتعليمات خاصة، ومهام يكون المرء محاسباً عليها علنا .

 

§.15.
من السهل السماح باستخدام ممتلكات المرء لصالح نفسه والمجتمع؛ ولكن، لا يمكن اكتساب جميع أنواع الملكيات من قبل الجميع بما يمكن أن يكون مفيداً للمجتمع. لا يستطيع أي فرد الحصول على الأرض في أي مكان يريده، سواء عن طريق العمل أم الشراء، على الرغم من أن العديد لديهم من الأرض أكثر مما يستطيعون زراعته، وهو ما يشكل في أغلب الأمر ضرراً على الصالح العام؛ فالقوانين (مثل قوانين موسى بين اليهود، حول ما تملكه كل عائلة من قطعة متواضعة وأبدية من الأرض، كتاب موسى الثالث 25: 13-16 و23، و24، و40، و41، أو قوانين ليسينيوس بين الرومان: حوالي 500 جاغيرا (257 1/7 فدان)) تكون مناسبة إلى حد ما، سواء لتعزيز زراعة الأرض أو لتحقيق التوازن بين حقوق السكان .

 

§.16.
ليس هناك شيء نملكه كما نملك قوى الجسد والعقل، لهذا من المنطقي أن يُـسمح لكسب العيش بطريقة محترمة، وأن يسمح لممارسة المهارات المفيدة وتطبيق المعرفة؛ أن يكون ممكناً كسب لقمة العيش من خلال ممارسة الزراعة والحرف اليدوية، من التجارة. كما ينبغي أن يكون التعليم مفتوحاً للجميع، كل ذلك حتى تصبح الكمية ضارة على المجتمع .

 

§.17.
يطرد العمال المفيدين من الريف، إذ أن القوانين لا تسمح لمن يعيش في القرى والأكواخ ممن لم يساعدهم الحظ بامتلاك أي قطعة أرض للتمتع بالحماية، خلاف الإعاقة والشيخوخة، التي تجعلهم مقعدين تقريباً. لذلك، ما أن يشرعوا بممارسة الرغبة الطبيعية للحرية والاستقلال، حتى يتوجب عليهم الفرار إلى المدن، حيث يمكنهم العيش بسهولة وفقا لنزواتهم، أو العمل في وظائف متساهلة. في المقابل، كما هو الحال في انكلترا وألمانيا، حيث يمكن لكل فرد أن يصبح، حتى في الريف، سيد منزله، فإن العديد من العمال لا يزالون يعيشون في مسقط رأسهم الأصلي، يتكاثرون، يقومون بأعمال تجارية مفيدة، وبتأجير أنفسهم للعمل في المزارع، وهذا كله يفضلونه على حياة المدينة، حيث الحياة المسرفة والخاملة بدون زواج، من أجل الحفاظ على الثراء للأثرياء، والتزاحم حول عربات النبلاء، وقتل الوقت مع النوم والفسق، ليصبحوا عبئاً على أنفسهم وبلدهم .

 

§.18.
من أجل تعزيز المهارات وحريتها، فإن المدارس العامة بخاصة ستقوم بالمهمة، حيث يمكن أن يحصل الفرد على تعليم كامل، على أساس أن اجتهاد المرء وفهمه سيسمح، في كل أنواع الفنون والحرف، وعلى الفور، بالتعرف عليه كخبير حر في المجال الذي درسه. لكن، عدد كل نوع من أنواع الوظائف ينبغي أن يُقرر وفقا لحاجة المجتمع واستخدامه .

 

§.19.
على العكس من ذلك، تعتبر النقابات المغلقة لدينا، وتدريب المهنيين، وسائل عظيمة للحفاظ على الكسل، والقيود، ونقص اليد العاملة، والفسق، والفقر، وإضاعة الوقت .

 

§.20.
حتى ما يسمى بالفنون الحرة نفسها ليست حرة في السويد، وهي تستحق هذا الاسم أكثر في أماكن أخرى. في ألمانيا، يُسمح لكل فرد بتعليم الآخرين علناً كل شيء يعرفه. وعلاوة على ذلك، إما أن يُمنع الفرد منذ البداية من جعل التعلم من خلال الكتب طريقته الرئيسية في التعلم، أو لا يمكن منعه بعد ذلك من العيش بحرية من خلال التجارة المشروعة .

 

§.21.
وأخيراً، من الحقوق المهمة في المجتمع الحر هو السماح بحرية المساهمة في بناء ورفاهية المجتمع؛ ولكن من أجل أن يتحقق هذا الأمر، ينبغي أن يكون بالإمكان أن تصبح شؤون الدولة معروفة للجميع، كما ينبغي أن يكون ممكنا للجميع التعبير عن رأيهم بحرية حولها. عندما لا يكون هذا الأمر متاحاً لا تستحق الحرية اسمها. مسائل الحرب وبعض المفاوضات الخارجية تحتاج إلى السرية لبعض الوقت، وألا تكون معروفة من قبل العديد؛ لكن ليس على حساب المواطنين، بل بسبب الأعداء. أما مسائل السلم، وكل ما يتعلق بالرفاهية والرعاية الاجتماعية، فينبغي ألا تكون محجوبة من عيون الأفراد. ما لم، فإنه قد يحدث بسهولة أن يكون الأجانب الذين يرغبون بإحداث الضرر هم من لهم القدرة على الوصول إلى معرفة كل الأسرار من خلال المبعوثين والمال، بينما سكان البلد نفسه، الذين يقدمون بمثالية المشورة المفيدة، يجهلون معظم الأشياء. من ناحية أخرى، عندما يكون كل ما في البلد معروفا، يستطيع الشخص الملاحظ على الأقل رؤية الفوائد أو الأضرار، ومن ثم يقوم بالكشف عنها للجميع حيثما تكون هناك حرية للكلمة المكتوبة. وعندئذ فقط، يمكن توجيه المداولات العلنية بالحقيقة وحب الوطن، الوطن الذي يعتمد كل فرد على مصلحته العامة .
يا الله الأعلى، الساهر على نعيم الإنسان، عزز من حريتنا السويدية وحافظ عليها إلى أبد الآبدين !

 
 
   
  Back to top
   
  Click here for the version made by the UNESCO Cairo Office